عظة المطران منير خيرالله
في قداس اليوبيلين الذهبي والفضي للمتزوجين
دير العائلة المقدسة – عبرين، 6/9/2026

« أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويدوم ثمركم » (يوحنا 15/10)
بدعوة من لجنة العيلة في أبرشية البترون ومرشدها الخوري يعقوب حنا، نحتفل اليوم، وكعادتنا كل سنة، بتكريم الأزواج الذين مرّ على عهد الحب الذي أعلنوه أمام الله وأمام الكنيسة في سرّ الزواج المقدس خمسون أو خمس وعشرون سنة.
ولاحتفالنا هذه السنة نكهة مميزة لأننا نَعِمنا في كنيستنا، وفي أبرشيتنا بنوع خاص، بإعلان البطريرك الياس الحويك طوباويًا؛ ما حدا بنا إلى اتخاذه شفيعًا لعائلاتنا وإلى تسمية فوج الأزواج المكرمين على إسمه، تحت شعار: « العائلة مهد القداسة وركن الوطن ».
وقد ثبّت البطريرك الحويك طوال حياته أن هذا الشعار يلخّص مسيرة كنيسة وشعب حيث للعائلة دور هام وطليعي في رسالة الكنيسة وفي بناء الوطن. هذا ما تنبّه إليه من خلال تربيته في عائلة مسيحية كهنوتية، فوضع في أولويات خدمته الأسقفية ثم البطريركية تنشئة العائلة وحمايتها من المخاطر المحدقة بها.
ففي العائلة تنبت كل دعوة من الله، وهي دعوة إلى القداسة، وتنمو بفضل والدَيْن يلتزمان بتربية الأولاد على القيم المسيحية والإنسانية، الإجتماعية منها والوطنية، وتسير إلى كمالها بالاتحاد مع الله.
القداسة بالنسبة إلى البطريرك الحويك هي مسألة حب واتحاد حميم بالله، الآب والابن والروح القدس، وهي حياة في المسيح وثبات في محبته، إذ يقول لنا: « أنا الكرمة وأنتم الأغصان. إذا ثبتّم فيّ وثبتُّ أنا فيكم، تثمرون ثمرًا كثيرًا ويتمجّد بكم أبي. أثبتوا في محبتي. إذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أني حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته ». (يوحنا 15/5-12).
أيها الأزواج المكرّمون،
بوفائكم للحب، حبّ الله لكم وحبّ بعضكم لبعض على مدى سنوات، تؤكدون أنكم حفظتم وصايا الرب يسوع وثبتّم في محبته؛ وتشهدون أنكم أصبحتم في سر الزواج المقدس جسدًا واحدًا بالمسيح. فعشتم الحبّ حتى النهاية، حتى بذل الذات، كما فعل هو في سبيل كنيسته.
لقد قبلتم الاختلاف في ما بينكم باحترام الموهبة التي أعطيت لكل واحد منكم، وعشتم معًا الوحدة في العائلة وفي الكنيسة وفي المجتمع، وعرفتم أن « المسيح اختاركم وأرسلكم لتذهبوا في العالم فتثمروا ويدوم ثمركم » (يوحنا 15/16).
وثماركم هي ظاهرة في أولادكم وأحفادكم في التزامهم بالحب نفسه.
أيها الأزواج المكرّمون،
أنتم هنا اليوم مع أولادكم وأحفادكم، آتون من مختلف رعايا الأبرشية، لتحتفلوا بقداس الشكر لله على نعمة الحب الذي صمد في ما بينكم، وعلى العهد الذي ثبت، وعلى البيت الذي بقي واقفًا رغم عواصف الحياة.
جئتم تؤكدون أن خمسين أو خمسًا وعشرين سنة ليست أرقامًا تكتب في سجل العائلة بل هي تاريخ من الوفاء والعطاء والتضحية والغفران والصبر والدموع والصلوات، والأبناء والأحفاد ثمرة حبكم.
إنكم تؤدون شهادة حيّة بأن الزواج عندما يبنى على المسيح يثبت ويصمد في مواجهة عاتيات الزمان.
يدعوكم البطريرك الحويك، كما يدعونا جميعًا نحن أبناء وبنات أبرشية البترون، إلى تلبية دعوة الله إلى القداسة فنتقدّس في حياتنا اليوميّة ونربّي أولادنا على الفضائل الإلهية والقيم الإنجيلية. ويقول لنا إن مسيرة القداسة، التي تبدأ في العائلة، وهي كنيسة بيتية تؤمن وتصلّي وتلتزم، ليست مسيرة أفراد، بل هي امتداد لمسيرة كنيسةٍ أعطت شهودًا وقديسين على مدى تاريخها، وحافظت على تراثها وتقاليدها.
يدعوكم ويدعونا البطريرك الحويك، في مواجهة الظروف الكارثية في الزمن الراهن، إلى الاتكال على العناية الإلهية، لأن لنا في السماء أبًا يحبّنا حبًا مطلقًا ويسهر علينا ويعرف ما نحتاج إليه حتى قبل أن نطلبه، وإلى تتميم إرادته في وحدتنا وتضامننا.
يدعوكم ويدعونا البطريرك الحويك إلى أن ندخل في مدرسة مريم العذراء، أم ربنا يسوع المسيح وأم الكنيسة وأم العائلة، وأن نتعلّم منها التواضع والطاعة لإرادة الله والعمل بصمت ومحبة حتى التضحية بالذات.
يدعوكم ويدعونا البطريرك الحويك أخيرًا إلى أن نحبّ الوطن كما نحبّ الله. والوطن ليس شعبًا وأرضًا فحسب، بل رسالة حرية وكرامة لكل إنسان. فكم بالأحرى إذا كان هذا الوطن لبنان، دولة لبنان الكبير التي ساهم في بنائها باسم جميع اللبنانيين، وهي دولة تتميز بالحرية والديمقراطية والعيش معًا في احترام التعددية، وتستحق منا كل التضحيات لإعادة بناء مؤسساتها.
فليبارككم الله، الآب والابن والروح القدس، ويثبّت حبّكم بشفاعة العذراء مريم والطوباوي البطريرك الحويك وجميع القديسين. آمين
