عظة المطران منير خيرالله
في قداس إطلاق حملة كاريتاس في أبرشية البترون المارونية
كاتدرائية مار اسطفان، البترون، 8/3/2026

« إذا قال أحد إني أحبّ الله وهو يبغض أخاه كان كاذبًا » (1 يوحنا 4/20)
أخي سيادة المطران إدوار جاورجيوس ضاهر، متروبوليت طرابلس والشمال للروم الملكيين الكاثوليك،
حضرة الأب سمير غاوي رئيس رباطة كاريتاس لبنان وأعضاء المكتب،
إخوتي الكهنة والرهبان، أخواتي الراهبات،
أحبائي أصدقاء كاريتاس
نطلق في قداسنا هذا الأحد وفي أبرشيتنا البترونية حملة رابطة كاريتاس لبنان مع رئيسها الجديد الأب سمير غاوي وأعضاء المكتب.
وقد اختارت رابطة كاريتاس لبنان شعارًا لهذه الحملة: « محبة بلا حدود ». وهي صرخةُ محبة، ونداءُ ضمير، ورسالة رجاء. إنها المحبة الحقيقية التي لا تعرف حدودًا جغرافية، ولا حواجز اجتماعية، ولا تمييزًا طائفيًا أو دينيًا.
إنه شعار مستوحى من تعاليم يسوع المسيح في الإنجيل ومن تعاليم الكنيسة حيث نعرف أن « الله محبة »، كما يقول يوحنا الرسول في رسالته، وقد أرسل الله ابنه الوحيد إلى العالم لكي يخلصنا بموته على الصليب وقيامته. من هنا وصية يسوع المسيح: « أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم » (يوحنا 13/34).
ويضيف الرسول يوحنا: « إذا كان الله قد أحبنا هذا الحب، فعلينا نحن أيضًا أن يحبّ بعضنا بعضًا. وإذا قال أحد إني أحبّ الله وهو يبغض أخاه كان كاذبًا » (1 يوحنا 4/8-20).
وتأخذ حملة كاريتاس هذه السنة بُعدًا كنسيًا وإنسانيًا واجتماعيًا طارئًا « في ظل ما يشهده لبنان والشرق الأوسط من تصاعد خطير في النزاعات المسلحة، وما يرافق ذلك من سقوط للضحايا الأبرياء، وتهجير للعائلات، وتفاقم للمعاناة الإنسانية »، كما يقول البيان الصادر عن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان منذ يومين، في 5 آذار 2026.
ويتوجه البطاركة والأساقفة إلى أبنائهم وجميع أصحاب النيات الحسنة، طالبين منهم « تقديم المساعدة لإخوتهم الصامدين في قراهم، وداعين إياهم للمثابرة على الصلاة الحارّة من أجل السلام في لبنان والشرق الأوسط، ومن أجل سلامة المدنيين الأبرياء ». كما يجددون دعوتهم إلى « استقبال الإخوة النازحين المدنيين السلميين واحتضانهم بروح الإنجيل، إذ قال الرب يسوع: كنتُ غريبًا فآويتموني، لتبقى شهادة المحبة أقوى من منطق العنف ».
وشهادة المحبة يُؤديها كل مؤمن بالمسيح. والكنيسة في هذه الظروف تقوم بواجب خدمة المحبة، إلى جانب خدمة حمل كلمة الله وتقديس النفوس، من خلال رابطة كاريتاس، وهي جهازها الاجتماعي وقلبها النابض بالمحبة في خدمة الإنسان والمجتمع.
وأعضاء مكتب كاريتاس البترون والمتطوعون الشباب يسيرون في التوجّه الكنسي العام إذ يعتبرون أنفسهم جهاز الكنيسة المحلية الاجتماعي ويعملون بإشراف راعي الأبرشية وبالتنسيق الكامل معه ومع كهنة الرعايا، على خدمة المحبة وعلى نشر روح التضامن « وبناء ثقافة المصالحة والسلام »، كما يطلب قداسة البابا لاوون الرابع عشر.
في زمن الصوم، وهو زمن صلاة وتوبة ورحمة ويجمعنا هذه السنة أيضًا مسيحيين ومسلمين، نحن جميعًا مدعوون إلى الصلاة والتوبة والرحمة التي تتجلّى بأفعال المحبة وبالإنحناء على كل محتاج.
نحن مدعوون إلى أن نخدم في المحبة كل محتاج إلى التفاتة محبة، وبخاصة إخوتنا النازحين، وإلى أن نرى في وجه كل مريض ومتألم ومهجّر ومشرّد ويتيم ومهمّش صورة المسيح الحيّ وأن نستجيب لصرخة المظلومين وللنداء الملحّ إلى بناء المصالحة والسلام. وإن إيماننا ليس مجرّد كلمات، بل هو التزام بفعل الحبّ الإلهي المعطى لكل واحد منا مجانًا، وبفعل مشاركة وتضحية نحو كل إنسان من دون تمييز أو تفرقة؛ وعلينا أن لا نسأل، في خدمتنا، عن هوية أو انتماء، لأننا نرى الإنسان أولاً، كما فعل السامري الصالح.
إننا نشكر الله معكم عن جميع العاملين في رابطة كاريتاس لبنان، وفي البترون بنوع خاص، والمتطوعين، وبخاصة الشبيبة منهم، والمتبرعين الصامتين. إنهم يقومون كلهم بجهود كبيرة ويضحون بوقتهم ومواهبهم وإمكاناتهم وأموالهم في سبيل مدّ يد المساعدة وتأمين الحاجيات الضرورية لإخوتهم وأخواتهم الأكثر حاجة. وهذا ما نفعله اليوم في مكتب كاريتاس البترون مع اخوتنا النازحين.
كم نحتاج في لبنان إلى الشهادة للإيمان والرجاء والمحبة وإلى عيش الغفران والمصالحة بعد خمسين سنة من مخاض حروب فُرضت علينا، ولا تزال، من الداخل والخارج، ومن معاناة أزمات متعددة ومتراكمة.
كم نحتاج إلى أشخاص يكونون شهود محبة ورسل رجاء وصانعي سلام !
في أحد عودة الابن الضال، نحن مدعوون إلى فحص ضمير وفعل توبة صادق لنعود إليك، أيها الآب الحنون وإله الرحمة والمحبة، تائبين ومستغفرين وقائلين: « يا أبتِ، إني خطئت إلى السماء وإليك وإلى إخوتي، ولست أهلاً أن أدعى لك ابنًا » (لوقا 15/21). وأنت تغفر لنا وتعيدنا إلى مجد الأبناء.
ونَعِدُك بأن نبقى أبناءً لك وشهودًا للمسيح ابنك بعيش الإيمان والرجاء والمحبة مع بعضنا البعض لبناء السلام، سلامك أنت لا سلام البشر.
