عظة المطران منير خيرالله
في قداس ذكرى تطويب الأخ اسطفان نعمه
دير كفيفان، 27/6/2026

« كونوا قديسين، لأني أنا الربَ إلهَكم قدوس » (أحبار 19/2 و1 بطرس 1/16)
نحتفل اليوم بذكرى تطويب الأخ اسطفان نعمه بينما نتحضّر للاحتفال بتطويب البطريرك الياس الحويك، وهما شاهدان لنعمة القداسة التي منحها الله لكنيستنا.
سعى الأخ اسطفان إلى القداسة تلبيةً لدعوة الرب، الموجهة إليه كما هي موجّهة إلى كل مسيحي يريد أن يشارك في حياة المسيح ويشهد لموته وقيامته ويعلن إنجيله، إنجيل الخلاص، في حياة بسيطة متواضعة بالصمت والصلاة والعمل في الأرض.
اتّبع الأخ اسطفان القاعدة الرهبانية التي تقضي بالصلاة والعمل، على خطى القديس مارون وتلاميذه ومئات الرهبان والنساك القديسين، وأقربهم إليه القديس شربل، في الروحانية النسكية التي ترتكز على العلاقة المباشرة مع الله في الصلاة والتقشّف وفي العمل في الأرض.
دخل الرهبانية اللبنانية المارونية بعمر السادسة عشرة في دير كفيفان، دير القديسين. وبعد سنتين من الابتداء أبرز نذوره الرهبانية ولبس الإسكيم الملائكي، وقرر أن يكون أخًا عاملاً في أديار الرهبانية إذ اعتبر نفسه غير مستحق لقبول سر الكهنوت.
اتخذ شعارًا له: « الله يراني »، وراح يبذل حياته في الصلاة متطلّعًا دومًا إلى السماء، وفي العمل في الأرض معتبرًا إياها نعمةً من الله ووقفًا له، عليه أن يستثمرها في سبيل عيش كريم وتقاسم الخيرات مع أبناء شعبه، وبخاصة مع المحتاجين إلى المحبة وإلى لقمة العيش.
عمل في الأرض بدون أن يتعلّق بخيراتها، بل كان يسعى إلى الخيور السماوية وإلى إرضاء ربّه.
كرّس حياته الرهبانية للخدمة واضعًا ثقته الكاملة بالله إذ اعتبر أنه يراه دومًا ويرافقه.
تقدّس في عيش الأمور البسيطة العادية، وكان يسمع البطريرك الياس الحويك يردّد:
« بطولة القداسة لا تكمن في القيام بالأعمال الفائقة الطبيعة، بل في عيش الواقع المعتاد بطريقة فائقة الطبيعة أي بحبّ كبير». كان يعرف أن قيمة حياتنا لا تكمن في قيمة الأعمال نفسها، بل في الحب الذي نتمّم به هذه الأعمال. القداسة هي حياة الله فينا تذكّرنا بأن نحوّل حياتنا إلى فعل حبّ مستمر لله وللإنسان.
تميّزت حياته بفضائل أربع:
التواضع: لم يضع نفسه في مركز متقدم ولا طلب مقامًا، بل جعل المسيح محور حياته.
الطاعة: رأى في الطاعة الكنسية لرؤسائه إرادة الله، فقبلها بفرح وثقة.
الفقر: نذر الفقر وعاشه شهادةً يومية للمسيح الذي افتقر ليغنينا. واعتبر أن عظمة الإنسان ليست في ما يملك، بل في مقدار محبته للآخرين ولإخوة يسوع الصغار وتقاسمه معهم.
المحبة العملية: أحبّ الجميع في الخدمة والابتسامة والكلمة الطيبة التي كان يدعو فيها إلى الإيمان بالله والاتكال عليه.
يعلّمنا الأخ اسطفان اليوم، أننا قادرون على سلوك طريق القداسة، في قلب المحنة التي نحن فيها، بعيشنا اليومي حيث نحن، كل واحد في موقعه، في الأمور العادية، وأن نكون شهودًا للمسيح الحاضر فينا وبيننا. وهو يقول لنا: « من أحبني حفظ كلامي، فأحبّه أبي، ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مقامًا » (يوحنا 14/23).
ما أعظم هذه النعمة: أن يقيم الله فينا فيقدسنا كل يوم.
يعلّمنا الأخ اسطفان أن كل واحد منا مدعوّ إلى أن يكون قديسًا فيلتزم بالشهادة للمسيح بعيش المحبة والمغفرة والمصالحة وبناء السلام.
نصلّي إليك أيها الرب الإله، في ذكرى تطويب الأخ اسطفان نعمه، ونطلب أن تمنحنا نعمة إعلان قداسته في وقت قريب، وتجعلنا نقتدي بفضائله ونسير على درب القداسة بشفاعة العذراء مريم، سيدة لبنان، وجميع قديسينا، فنمجدك أنت الإله الواحد، الآب والابن والروح القدس. آمين.
