عظة المطران منير خيرالله
في قداس الاحتفال باليوم العالمي الرابع والثلاثين للمريض
في كنيسة مار اسطفان – تحوم، 7/2/2026

رحمة السامري
« إذهب واصنع أنت كذلك » (لوقا 10/37)
بدعوة من لجنة راعوية الصحة في الأبرشية ورئيسها الخوري شربل نسيب الفغالي نحتفل باليوم العالمي الرابع والثلاثين للمريض الذي أنشأه القديس البابا يوحنا بولس الثاني، ويتابع إحياءه قداسة البابا لاوون الرابع عشر، وذلك من أجل توجيه انتباه المؤمنين إلى إخوانهم المرضى المحتاجين إلى عناية ومرافقة.
وقد اختار قداسة البابا لاوون الرابع عشر « رحمةَ السامري » موضوعًا لهذه السنة. وأراد أن يقدم لنا جميعًا، رعاةً ومؤمنين، « صورة السامريّ الرحيم، وهي صورة حاضرة دومًا في حياتنا وضرورية لكي نكتشف جمال المحبة والبُعد الاجتماعي للرحمة ولكي نوجّه انتباهنا إلى المحتاجين والمتألمين، ومن بينهم المرضى ». ويعود إلى رسالة البابا فرنسيس العامة « كلنا إخوة » ليقدّم قراءة لإنجيل السامري الصالح (لوقا 10/25-37)؛ وفيها « لا تنحصر الرأفة والرحمة تجاه المحتاج في مجرّد جهد فردي، بل تتحقق في العلاقة مع الأخ المحتاج، ومع الذين يهتمون به، وفي الأساس مع الله الذي يمنحنا محبته ».
ويقول إننا نعيش اليوم في ثقافة السرعة والإقصاء واللامبالاة التي تمنعنا من أن نقترب بعضنا من بعض وأن نتوقف في مسيرتنا لكي ننظر إلى احتياجات وآلام من هم حولنا.
في مثل السامري الصالح، يعلّمنا يسوع، وهو السامري الإلهي الصالح، أن القريب من المتألم هو من عامله بالرحمة، ويطلب منا أن نذهب ونصنع نحن كذلك، أي أن نكون نحن قريبين من كل مجروح ومتألم ومريض، وأن لا نكتفي بالقيام بعمل المحبة والرحمة، بل أن نبذل ذاتنا في خدمته؛ وهذا يعني أن نذهب إلى أبعد من تلبية الاحتياجات لكي نصير نحن جزءًا من العطاء. وهذه المحبة تتغذى من اللقاء بيسوع المسيح ومن الارتباط به. وهو يتماهى مع كل محتاج ومتألم ومريض. فنفهم أن كل ما نصنعه مع أحد إخوته هؤلاء الصغار فمعه هو نصنعه.
ويعلّمنا يسوع أيضًا أن الرحمة ليست الشفقة، بل هي شعور داخلي عميق يدفعنا إلى المبادرة ويقودنا إلى الالتزام بمساعدة الآخر. الرحمة هي المحبة المعاشة، ليس بشكل فردي، بل مع آخرين وفي جماعة. السامري استعان بصاحب الفندق لكي يعتني بالجريح الذي نقله.
وهذا يتجاوز الالتزام الفردي البسيط.
« أن نكون واحدًا في الواحد يسوع المسيح » - وهذا هو شعار البابا لاوون الرابع عشر -، يعني أن نشعر أننا أعضاء في جسد واحد نحمل فيه رحمة الرب يسوع لآلام كل إنسان ونحبه من دون حدود.
محبة القريب هي البرهان الملموس على صدق محبتنا لله. يقول القديس يوحنا الرسول: « إن قال أحد إني أحبّ الله، وهو يبغض أخاه، كان كاذبًا » (1 يوحنا 4/20).
أولوية المحبة الإلهية تعني أن يقوم الإنسان المؤمن بعمله من دون مصلحة شخصية ومن دون طلب مكافأة. وهذا ينبع من ارتباطنا بيسوع المسيح، الذي نرى فيه السامري الرحيم الذي منحنا الشفاء الأبدي، والذي نجعله حاضرًا عندما ننحني على الأخ الجريح.
العلاج الحقيقي لجراح البشرية هو أسلوب حياة يرتكز على المحبة الأخوية التي تجد جذورها في محبة الله.
ونذكّر أن قداسة البابا لاوون الرابع عشر قال لشبيبة لبنان في لقائه معهم في بكركي في 1 كانون الأول الفائت: « المقاومة الحقيقية للشرّ ليست بالشر، بل بالمحبة القادرة على شفاء جراحنا بشفاء جراح الآخرين. المحبة تعبّر عن حضور الله في العالم وتتكلّم لغة عالمية ».
هذا ما تقوم به لجنة راعوية الصحة في أبرشيتنا لتشهد للمحبة المعاشة مع الإخوة والأخوات المرضى وترافقهم روحيًا وإنسانيًا وتعتني بهم وتشفي جراحهم. وقررت أن تتنقّل في الأبرشية بين المستشفيات وبيوت الراحة لتنقل رحمة الرب يسوع المسيح ومحبته للمرضى وتعيش القرب منهم.
يا أحباءنا أعضاء لجنة راعوية الصحة في الأبرشية، مكرّسين وعلمانيين، أطباء وممرضات ومرشدين ومتطوعين، إني أدعوكم إلى أن تحملوا رسالة المرافقة الصحية وتذهبوا باسم الكنيسة ملائكةَ رحمةٍ وسامريين صالحين لتعيشوا القرب من إخوتنا المرضى وعائلاتهم، وتحبّوهم محبّة مجانية، كأنكم تعتنون بيسوع نفسه.
إني أقول لكم ما قاله قداسة البابا لاوون الرابع عشر في مستشفى دير الصليب في خلال زيارته للبنان: « أنتم مثلُ السامري الصالح. أشجعكم على ألاّ تفقدوا فرح هذه الرسالة ».
إننا نصلي في هذا القداس من أجل إخوتنا المرضى والمتألمين ومن أجل عائلاتهم ومن يعتني بهم، مؤكدين لهم قربنا ومحبتنا ومرافقتنا الروحية والإنسانية، طالبين من الله، أبِ الرحمة، بشفاعة العذراء مريم شفاء المرضى، والقديسة رفقا وجميع قديسينا، أن يمنحهم الثبات في إيمانهم والرجاء بالمسيح الذي لا يخيّب. آمين.
