عظة المطران منير خيرالله
في قداس عيد مار مارون
الكرسي الأسقفي كفرحي، الاثنين، 9/2/2026
« ما كان هذا الصوت لأجلي، بل لأجلكم » (يوحنا 12/30)

نحتفل اليوم معا، نحن كموارنة ومع كل اخوتنا اللبنانيين وكل المنتشرين في العالم، بعيد مار مارون، الناسك الذي عاش حياة نسكية بعيدا عن العالم على قمة جبل لكي يكون قريبا من الله وعلى علاقة مميزة به فينال الخلاص الذي وعد به يسوع المسيح. اليوم، وكما يتوجه يسوع إلينا، كذلك مار مارون يقول لنا: « ما كان هذا الصوت لأجلي بل لأجلكم ».
يا ابناء مارون هذا الصوت، صوت الرب يسوع، موجه الينا جميعا لكي نقف وقفة ضمير، وقفة توبة أمام الله، وقفة استرجاع لقراءة تاريخنا واستشراف مستقبلنا بناء على تعاليم المسيح في الانجيل، وعلى الروحانية النسكية التي وضعها مار مارون. هذه الروحانية النسكية تقوم على البعد عن العالم في قمة جبل أو في قعر واد. لهذا السبب جاء تلاميذ مارون إلى قمم جبال لبنان وإلى وديانه، في قنوبين وغيرها، لكي يعيشوا قربهم مع الله بالصلاة والتأمل والصمت والتقشف والوقوف المستمّر وعيش القرب من الناس في هذه الارض المقدسة التي أراد الله ان يعيشوا فيها.
لم يطلب مار مارون شيئا من هذه الدنيا، ولم يعرفه أحد إلا عندما شاءت إرادة ربنا ان تكون له كنيسة على اسمه، الكنيسة المارونية التي أنشأها مار يوحنا مارون، البطريرك الأول في أواخر القرن السابع في أيام الفتح العربي الإسلامي. كان يوحنا مارون يعمل على جمع شعبه وينشئ كنيسة على اسم مار مارون وعلى مبادئ روحانية مار مارون النسكية. ومن هنا، من « كفرحي » انطلقت الكنيسة المارونية التي أصبحت اليوم منتشرة في كل العالم. خلال 1400 سنة، مرّ الكثير من التحديات والحروب والنزوحات والتهجير والموت والاستشهاد علينا وعلى كنيستنا وعلى شعبنا وما زلنا هنا. يجب أن نتساءل عن السر؟ ما هو هذا السر الذي كان سبب بقائنا واستمرارنا، خصوصا في هذا الشرق؟ هناك أربع ثوابت أريد التوقف عندها وعليكم أن تحفظوها، وعلى كل ماروني أن يحفظها في قلبه لكي يستطيع عيش الالتزام بها:
أولاً: الإيمان بالله والثقة الكاملة به؛ ثانياً: حب الأرض والتعلق بها لأنها أرض مقدس؛ ثالثاً: حب الثقافة والعلم والانفتاح على العالم؛ رابعاً: الوحدة حول رأس الكنيسة الواحد البطريرك.
أولاً: استمرينا وما زلنا لأننا لم نفقد يومًا إيماننا وثقتنا بالله، وكان اتكالنا عليه في كل ظروف الزمن وتحدياته. ثبتنا في إيماننا ولم نتغير ولم نتحول إلى دين آخر أو إيمان آخر. كنّا دومًا نؤمن أن الله حاضر معنا وهو الذي يرافقنا ويحمينا حتى في الموت والاستشهاد، لأن الموت هو ساعة المجد كما قال يسوع.
ثانياً: التعلق بالأرض، هذه الأرض التي اختارها الله وقفًا له، باركها وقال لتلاميذ مارون ولأبنائه: فيها ومنها تعيشون بحرية وكرامة. ومن هنا تنطلقون بالفقر والقلّة والتقشف لكن بمحبة بعضكم البعض، بالصلاة الدائمة والوقوف المستمر والتأمل بكلمة الله والكتاب المقدس وتعليم المسيح. وهكذا ثبتنا متعلقين بأرضنا التي صارت عنصرًا من هويتنا المارونية.
ثالثاً، حبّ العلم والثقافة والانفتاح على العالم. وهذا مهم جدًا حيث كانت أديارنا وكراسي مطرانياتنا وبطريركياتنا مراكز للعلم يتعلم فيها الناس؛ وفي هذا الدير بالذات، الذي أنشأه مار يوحنا مارون، تأسست مدرسة اشتهرت في القرن التاسع عشر واهتمت بتربية أجيال كان منهم مشاهير في الكنيسة وفي الوطن والمجتمع بالثقافة والعلم. وحافظنا وما زلنا نحافظ على حبنا للعلم، ونضحي بكل شيء لكي نؤمّن العلم لأولادنا.
رابعاً وأخيراً، تكوكب كل الموارنة حول الرأس الواحد البطريرك الذي كان مرجعنا الوحيد، ولا مرجع لنا غيره. وفي تاريخنا، عندما كان يأتي سياسي ليتولى الزعامة كان يجلب إلينا الويلات. وفي النهاية يعود الموارنة إلى رأس الكنيسة الواحد الذي يجمع شعبه بالوحدة، بالإيمان، بالتعليم، بالمحبة، بالتضامن وبالحرية.
علينا اليوم أن نقوم بفحص ضمير ومراجعة حياة، نحن بنات وأبناء مارون، ونسأل أنفسنا أين نحن من هذه الثوابت الأربعة؟ هل إيماننا ما زال ثابتًا بالرغم من كل تحديات العالم؟ هل ما زلنا نحب الأرض، وهل ما زالت للأرض قيمة أم هي معروضة للبيع والشراء؟ هل حب العلم والثقافة موجود في حياتنا؟ هل لدينا اليوم مرجعية واحدة نعترف بها؟ ليس ليكون قائدا سياسيا لكن لكي يقود شعبه، كما قاده يوحنا مارون وكل البطاركة الموارنة الذين تعاقبوا من بعده، إلى الخلاص وإلى ما فيه خير الجميع وإلى ما فيه نهضة لبنان، لبنان الذي سماه البابا القديس يوحنا بولس الثاني « وطن رسالة ». نحن مسؤولون عنه.
فحص الضمير يجب أن يقودنا إلى فعل توبة، وكلنا بحاجة إلى توبة، من كبيرنا إلى صغيرنا، من البطريرك إلى المطران والكاهن والراهب والراهبة، إلى الأب والأم، إلى العلماني والسياسي والمسؤول؛ كلنا بحاجة لفعل توبة. ولا يكابر أحد على الله وعلى غيره، كلنا نتساوى أمام يسوع المسيح، لكننا بحاجة إلى فعل توبة. وفعل التوبة يتطلب منا اعتذارًا. فلتكن لدينا الجرأة، جرأة الاعتذار بعد 50 سنة من الحرب، جرأة الوقوف أمام الناس للاعتراف بالخطأ وللاعتذار؛ فنعي أننا لسنا دائما على حق ولسنا نحن القديسين والملائكة والآخرون شياطين. هذه اللغة لم نستعملها في تاريخنا وعلينا اليوم أن نتوقف عن استعمالها. فحص الضمير وفعل التوبة والاعتذار يقودونا إلى مصالحة، مصالحة بين بعضنا البعض أولاً، ثم مصالحة وطنية مع كل إخوتنا في الوطن. وهكذا نربح التحدي ونستمر في رسالتنا.
دعونا نتحرّر من الخوف، ونحن منذ زمن تحررنا من الخوف، لأن المسيح معنا وهو الذي قال لنا « لا تخافوا أنا معكم حتى منتهى الدهر ». المسيح باقٍ معنا والخوف ممنوع. رجاؤنا كبير جدًا، كما قال لنا البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته إلى لبنان: « هنيئًا لكم بإيمانكم وبرجائكم. أنتم شعب لا يستسلم. إفتخروا بلبنان وطنكم، وطن الرسالة، وطن نموذجي للعالم ». هذا هو رجاؤنا، ونحن قادرون ان نعيد بناءه من جديد. آمين.
