كلمة المطران خيرالله في لقاء رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية 27-7-2013

كلمة المطران منير خيرالله

في لقاء رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية- قدامى أبرشية البترون

السبت 27 تموز 2013، في الكرسي الأسقفي- دير مار يوحنا مارون كفرحي

 

مقدمة 

1-    حضرة رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية لرابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية.

إخوتي القدامى كهنةً وعلمانيين، وأخصّ منكم قدامى أبرشية البترون.

إنها مناسبة عزيزة تجمعنا اليوم في دير مار يوحنا مارون كفرحي، المقرّ البطريركي الأول والكرسي الأسقفي لأبرشية البترون. وهي مناسبة تعيدنا إلى البطريرك الأول مار يوحنا مارون الذي جمع أبناء مارون وأسس الكنيسة المارونية كنيسةً بطريركية في أواخر القرن السابع- أوائل القرن الثامن وأطلقها في رسالة أنطاكية وأممية، مرتكزاً على روحانية مار مارون الناسك في بُعدَيْها العمودي والأفقي، وهي روحانية الصليب كما يقول الخوري يواكيم مبارك.

ونحن، قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية - في عين ورقة ومار عبدا غزير - تنشّأنا على يد آباء مضحّين وقديسين على هذه الروحانية، ونحمل مسؤولية الحفاظ عليها في كنيسةٍ أصبحت اليوم مسكونية لإنتشارها في بلدان العالم الواسع، وفي وطنٍ يسعى إلى إحياء دعوته التاريخية واستعادة دوره بين الأمم كوطنٍ رسالة للحرية والديمقراطية والعيش الواحد المشترك في احترام التعددية.

لذا فإني أدعوكم، أيها الإخوة، إلى الالتزام معي في خدمة كنيستنا المارونية في مسيرة تطبيق المجمع البطريركي الماروني، وهو مشروعها للسنوات الخمسين المقبلة، والإنخراط في مشروعي لأبرشية البترون إلى جانب الذين يرافقونني من بينكم منذ بداية أسقفيتي.    

 

أولاً- العمل الكنسي مسؤولية مشتركة

2-            نحن معاً شركاء في الكنيسة ومعنيون بعمل الخلاص الذي تمّمه سيدنا يسوع المسيح بموته على الصليب وقيامته من بين الأموات، وبتلبية دعوة القداسة الموجهة إلينا على خطى آبائنا القديسين.

ونحن شركاء في عمل إنماء منطقتنا التي تحتاج إلى تضافر كل إمكاناتنا ومقدّراتنا.

ونحن شركاء في ورشة إعادة بناء وطننا لبنان في دعوته التاريخية ليكون دوماً « الوطن الرسالة» و« الوطن النموذج».

سنة ونصف مرّت على تسلّمي الخدمة الأسقفية من سيادة أخي وأبي الروحي المطران بولس آميل سعاده.

                               

وكنت قد اخترت « الخدمة والمحبة» شعاراً لي: « أنا بينكم خادم المحبة»، محاولاً التشبّه بيسوع المسيح الذي قال، « أنا ما جئت لأُخدم بل لأَخدم» وفَعَلَ، والذي هو الراعي الصالح يبذل ذاته في سبيل الخراف. وهدفي أن أخدمكم في المحبة وأن أصبح بالمسيح « كلاً في الكلّ».

أما مشروع أسقفيتي فهو مشروع كنيستنا المارونية للقرن الحادي والعشرين، أي المشروع الذي صاغه آباء المجمع البطريركي الماروني لتجدّد كنيستنا في أشخاصها ومؤسساتها ورسالتها الريادية في الشرق والغرب.

وهو المشروع الذي تبنّاه غبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي منذ انتخابه وأخذ على عاتقه العمل على تطبيقه.

وانطلاقاً من هذا المشروع وضعتُ في سلّم أولوياتي الراعوية، أولاً التجدد الروحي، ثانياً التجدد في الأشخاص، ثالثاً التجدد في المؤسسات.  

 

ثانياً- تطبيق مشروع التجدّد.

3-       وبدأت أعمل على تطبيق هذه الأولويات.

فقد أعطيت للتجدد الروحي أهمية كبرى، وبخاصة أن أبرشيتنا هي أبرشية القداسة والقديسين وتحوي ذخائر وضرائح القديسين: هامة مار مارون في كفرحي، ضريح القديسة رفقا في جربتا، ضريحي القديس نعمة الله والطوباوي الأخ اسطفان في كفيفان، وضريح البطريرك الياس الحويك، الذي وقّعت افتتاح التحقيق في دعوى تطويبه في 5 تشرين الأول 2012، في عبرين.

وإني أدعو، في كل زياراتي الراعوية، إلى عيش هذا التجدد الروحي بالعودة إلى ينابيع روحانيتنا والقيم التي حافظت عليها كنيستنا وعائلاتنا طيلة أجيال. وأطلب أن تكون أديارنا مراكز صلاة وفكر وإشعاع روحي، وأن تكون رعايانا واحات روحية يصلّي فيها المؤمنون ويضجّ فيها النشاط الرسولي وتنمو فيها الحركات والمنظمات الرسولية والدعوات الكهنوتية والرهبانية.

4-               أما التجدد في الأشخاص، فقد بدأته بنفسي ومع إخوتي الكهنة والرهبان والراهبات داعياً إياهم إلى أن نعود إلى أصالة الدعوة التي دعانا إليها السيد المسيح، فنلتزم معاً بخدمة شعبنا بالتجرّد والتضحية والعطاء والتضامن مع اخوتنا العلمانيين. فنكون مثالاً صالحاً لهم ونلتزم معاً بأن نكون شهوداً لحضور المسيح في أبرشيتنا. وانطلقتُ في مسيرة تجدّد مع إخوتي الكهنة بحيث نتابع دورات تنشئة مستمرّة في اجتماعاتنا الشهرية وفي خلال رياضتنا الروحية السنوية، لكي يقتربوا أكثر من أبناء وبنات رعاياهم ويخدموهم بتضحية أكبر وعطاء متفانٍ.

وأوليت أهمية للشبيبة بحيث أعدنا معاً تنشيط الحركات والمنظمات الرسولية الشبابية، كالفرسان والطلائع والكشافة والحركة الرسولية المريمية، وغيرهم. ويعملون جميعهم تحت إشراف راعي الأبرشية ولجنة الشبيبة في الأبرشية التي تحضّر الآن اللقاء العام لشبيبة الأبرشية الذي سيقام السبت 27 والأحد 28 تموز 2013 هنا في الكرسي الأسقفي- كفرحي.

وأوليت أهمية للعائلة بحيث شجعت على تنشيط لجنة العائلة في الأبرشية التي تسهر على مركز الإعداد للزواج في البترون وعلى متابعة العائلات المتعثرة بواسطة أشخاص اختصاصيين، وعلى إقامة ندوات ولقاءات للتنشئة على مسؤولية العائلة في مجتمعنا وللاحتفال بعائلاتنا الصامدة في القيم والأخلاق المسيحية والإنسانية.

5-            أما التجدّد في المؤسسات، فقد بدأته بمأسسة المطرانية قبل الرعايا. والهيكلية المؤسساتية تتألف، بحسب القوانين الكنسية، من أشخاص ومجالس. فقمت بتعيين الأشخاص الذين يؤلفون دائرة الأبرشية ويقومون بوظائف خاصة بهم، وهم النائب العام والقيّم الأبرشي وأمين السرّ ومسؤولون عن شؤون الكهنة والشؤون الطقسية والتعليم المسيحي ومرشدين للمنظمات الرسولية وراعوية العيلة والشبيبة.

وقمت بعد ذلك بتعيين المجالس واللجان، وهي:

المجلس الكهنوتي، مجلس الشؤون الإقتصادية، اللجنة الإستشارية لراعي الأبرشية، لجنة العيلة، لجنة الشبيبة، لجنة المرأة، لجنة التعليم المسيحي، لجنة الطقوس، الفريق الرسولي، لجنة الدعوات، لجنة إدارة صندوق تعاضد الكهنة، اللجنة الإقليمية لرابطة الأخويات في الأبرشية مع لجنة للطلائع ولجنة للفرسان، لجنة التوأمة، لجنة راعوية الخدمات الصحية، لجنة المعوّقين وذوي الحاجات الخاصة، لجنة مرافقة المساجين والمهجرين والعمّال الأجانب. ثم عينت مكتباً جديداً لرابطة كاريتاس في الأبرشية ولجنة خدمة المحبة. ومجلس شورى ليكون معي العين الساهرة على مسيرة الأبرشية. ومعظم رؤساء وأعضاء هذه المجالس واللجان هم من قدامى الرابطة.

يبقى عليّ إنشاء لجنة الخدمة التربوية ولجنة العمل المسكوني والحوار مع المسلمين ولجنة الإعلام.

ثم باشرت بتجديد لجان الأوقاف شارحاً مهماتها ورسالتها بحسب القوانين الكنسية ومنهجية عملها خدمةً لشعب الله بالشفافية والمحبة.

6-            ولتنشيط مسيرة التجدّد هذه، رحت أقوم بالزيارات الراعوية في كل الرعايا مذكراً المؤمنين في أبرشيتنا البترون بالعودة إلى جذورنا الروحانية الأنطاكية التي ورثناها عن آباء وأجداد قديسين. إنها الروحانية النسكية التي امتاز فيها آباؤنا على مدى خمسة عشر قرناً بالعيش في العراء على قمم جبالنا أو في قعر الوديان، وبعيش القيم المسيحية كالمحبة والتضامن والكرامة والحرية.

وكنت أحثهم على العودة إلى تلك القيم وعلى التمسّك بالأرض، لأن أرضنا هي أرض قداسة اقتطعها الله وقفاً له، ولأنها أصبحت عنصراً مكوّناً لهوّيتنا وسبباً لخصوصيتنا ووجودنا الحرّ في هذا الشرق.

 

ثالثاً- رؤية مستقبلية

7-            ولما كان الجميع قد أبدى استعداده للعمل وتجاوبه مع متطلبات الورشة التجدّدية، فإني أتطلع إلى كنيسة البترون حاملة مشعل القداسة وخادمةً للإنسان بالمحبة وعاملةً على الإنماء والتطور بهدف عيش حرّ وكريم لكل بتروني.

ومنطقة البترون، التي عانت طويلاً من تقطيع أوصالها ومن قطع وسائل التواصل بين جردها وساحلها، فهي تنعم اليوم بطريق سريع يربط البترون بتنورين. من هنا فكرت بافتتاح مشروع جديد، ألا وهو الطريق الروحي السريع الذي يربط وادي جربتا بوادي تنورين، وكفيفان بحردين وقمة حريصا وأرز تنورين. إنها طريق القداسة والقديسين.

ومنطقة البترون، التي هي من المناطق الأكثر حرماناً إقتصادياً وإنمائياً، فهي تحظى اليوم باهتمام الكثيرين. ذلك لأنها تحمل تراثاً عريقاً وتختزن كنوزاً طبيعية وإنسانية وثقافية وروحية مفتوحة على مستقبل سياحة دينية وبيئية واعدة. فهي أرض التاريخ والتراث والثقافة والقداسة.

من هنا رأيت أنه من واجبي أن أدعو مجلس الشؤون الإقتصادية إلى وضع خطة إنمائية شاملة لأبرشيتنا ومنطقتنا بالتعاون مع أركان الدولة ومؤسساتها ومع المسؤولين السياسيين ومع الجمعيات الثقافية والمدنية والأهلية. ومن أهم بنود هذه الخطة:

أ‌-     تشجيع الاستثمارات والمشاريع في المنطقة بطريقة تؤمّن إنماءها وتحافظ على دعوتها وبيئتها. ولهذه الغاية فنحن لا نحجب أملاك الأبرشية والأوقاف التابعة لها عن أي مشروع إنمائي مدروس بشكل دقيق وعلميّ يُقدَّم إلينا ويبيّن الجدوى الإقتصادية ويكون من أهدافه خلق فرص عمل لأبناء المنطقة.

ب‌-   الإهتمام بالسياحة الدينية عن طريق التعريف بما تزخر به المنطقة من ثروة دينية وسياحية، وتنظيم نشاطات ثقافية ومسارات سياحية مختلفة تمرّ بالأماكن المقدسة والأثرية ليس فقط للسياح الوافدين من بلدان الشرق الأوسط أم من أوروبا أم من أميركا، بل للبنانيين الوافدين من بلدان الإنتشار أيضاً.

ج- متابعة الإدارات المسؤولة لوضع دراسة شاملة لمنطقة البترون لتكون كلاً متكاملاً يلحظ، حيث يجب، المناطق السكنية والسياحية والتجارية والصناعية وغيرها.

د- متابعة مشروع المنطقة الاقتصادية الحرّة الذي طرحته الرابطة المارونية والعمل على تنفيذه؛ لا سيما أن منطقتنا تزخر بالكفاءات لإدارة مثل هذه المشاريع وهي المكان الأمثل لاستقبال المشاريع الاستثمارية كونها منطقة هادئة وآمنة ووادعة.

وقد تسمح هذه الخطة بخلق فرص عمل لشبابنا وصبايانا فيثبتون في أرضهم ويخدمون وطنهم بتفانٍ وإخلاص ويسهمون في بنائه على أسس الكفاءة والعدالة واحترام القانون.

8-            وفي رؤيتي هذه أطمح إلى اتّباع خطة آبائنا المستندة إلى ثلاثة: الإيمان والمعول والقلم.

أولاً: هم الذين ثبتوا في إيمانهم بالله وضحّوا بالغالي والنفيس كي لا يحيدوا عنه، وواجهوا كل التحديات بشجاعة وصبر.

ثانياً: هم الذين جاهدوا وتعبوا في أرضهم وحوّلوا الجبال الوعرة والصخرية إلى جنّات يعتاشون منها بكرامة وحرية.

ثالثاً: هم الذين سهروا الليالي ليؤمّنوا لأولادهم ثقافة عالية كانت سرّ نجاحهم وفتحت أمامهم أبواب الحداثة. فكانوا رواد النهضة في الشرق والغرب وتركوا لنا تراثاً عريقاً وجب أن نحافظ عليه.

مسؤوليتنا إذاً هي أولاً في توعية أولادنا وأجيالنا الطالعة على دعوة منطقتنا المميزة وحثّهم على اكتشاف تراثها والمحافظة عليه. وهي ثانياً في التعاون على تضافر جهودنا في سبيل إنماء منطقتنا بطريقة تحافظ على طابعها وبيئتها.

خاتمة:

9-            لما كنت قد أعلنت في 2 آذار 2013، في رسالتي الراعوية الأولى، عن الدعوة إلى عقد مجمع أبرشي يهدف إلى تطبيق توصيات المجمع البطريركي الماروني في أبرشيتنا،

ولما كنا قد انطلقنا في ورشة التجدّد روحياً وإنسانياً ومؤسساتياً،

ولما كان قد اكتمل عقد المجالس واللجان في الأبرشية وتنظمت الهيكلية المؤسساتية،

بدأت ورشة التحضير لانعقاد المجمع الأبرشي في تشرين المقبل.

فعينت أمانة عامة من خمسة أشخاص أربعة من بينهم هم من قدامى الإكليريكية: المونسنيور سمير الحايك والدكتور نبيل خليفه والأستاذ يوسف سركيس والأستاذ سهيل مطر والأستاذ سعيد باز؛ ولجنة مركزية من ثمانية، من بينهم الدكتور ساسين عساف والخوري جورج عبدالله من القدامى.

ووضعنا معاً خطة العمل، التي سنعلنها في حينها، وهي تقضي بدعوة الكهنة والرهبان والراهبات والمجالس واللجان والرعايا إلى تهيئة النفوس لهذا الحدث الأبرشي الكبير، وبتحضير دليل المجمع الأبرشي الذي سيتضمن معطيات الهيكلية الأبرشية وتوصيات المجمع البطريركي التي تعني المواضيع التي نختارها واستمارة الملاحظات والمقترحات.

وإني، إذ أشكر الله على خيراته ونعمه، وأشكره عنكم وعن أبناء وبنات أبرشيتي الذين وهبهم لي لكي أخدمهم في المحبة وأكرّس ذاتي من أجلهم، أضعُ خدمتي الأسقفية وعملي الكنسي تحت حماية والدة الإله مريم، سيدة لبنان وسيدة قنوبين وبكركي، ومار مارون ومار يوحنا مارون وجميع القديسين شفعائنا. 

photo Gallery