عظة المطران منير خيرالله
في قداس الزيارة الرعائية لرعية آسيا
الأحد 5/7/2015
« ها أنذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب» (متى 10/16)
أبونا زيارد (اسحق) خادم هذه الرعية الحبيبة،
أحبائي أبناء وبنات رعية أسيا،
أفرح بأن ألتقي معكم اليوم لنقدم قداسنا إلى الله الآب طالبين منه أن يباركنا ويقوّينا كي نكون رسلاً وشهوداً لابنه يسوع المسيح في عالمنا. فعالمنا اليوم يشبه كثيراً العالم الذي عاش فيه يسوع وجمع تلاميذه ورسله وقال لهم: « إذهبوا؛ ها أنذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب. فكونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام» (متى 10/16).
كان يعلم يسوع جيداً إلى أي عالم يرسل رسله وتلاميذه: إلى عالم فيه ذئاب خاطفة تريد خطف الخراف وقتلها. لكن يسوع يطمئنهم قائلاً: « سيسلمونكم إلى المجالس، ويجلدونكم في مجامعهم، وتُساقون إلى الحكام والملوك من أجلي، لتشهدوا لديهم ولدى الوثنيين. فلا يهمّكم حين يسلمونكم كيف تتكلمون أو ماذا تقولون، فروح أبيكم هو يتكلم فيكم». وفي النهاية « ما من تلميذ أفضل من معلّمه، وما من عبدٍ أفضل من سيده» (متى 10/17-24).
إذا كان معلّمنا الأوحد يسوع المسيح ارتضى أن يسلّم ذاته ويُحكم عليه بالموت على الصليب حُبّاً بنا ليفتدينا بموته وقيامته، فكم بالأحرى نحن رسله وتلاميذه. علينا أن نحمل الصليب معه ونقبل بالموت شهادةً له. « من لا يحمل صليبه ويتبعني فلن يستحقني».
نعيش اليوم في عالم ذئاب خاطفة ومتوحشة تقتل وتدمّر في سبيل مصالح خاصة باسم الدين، والدين منها براء. الحروب الدائرة في بلداننا في الشرق الأوسط هي نتيجة التطرف والتعصب في مواجهة سياسات خاطئة ومصالح اقتصادية لا تأخذ في الاعتبار الشعوب وحريتها في تقرير مصيرها وحقها في الحياة الكريمة. والشعوب الضعيفة تدفع الثمن غالياً، والمسيحيون المعتبرون أقلية هم أولى الضحايا في شرقنا.
علينا إذاً أن نكون موحّدين، نحن المسيحيين في الشرق الأوسط وفي لبنان بنوع خاص، في مواجهة هذه الذئاب الخاطفة، وأن نبقى ثابتين في إيماننا بيسوع المسيح وثقتنا به ورجائنا بمجد القيامة معه. لقد مرّ على كنيستنا في تاريخها الكثير من الاضطهادات والاحتلالات، لكنها صمدت في وجهها وثبت شعبها في إيمانه متمسكاً بالقيم التي تربّى عليها: الوحدة والتضامن والحرية والكرامة والانفتاح واحترام الانسان ومحبته وخدمته.
علينا إذاً ألاّ نخاف ونستسلم للعنف والحقد والانتقام. فنحن خراف المسيح وأقوى من الذئاب الخاطفة؛ والموت لم يَعُدْ يخيفنا؛ لأننا أصبحنا، بموت المسيح وقيامته، أقوى من الموت ومن الخطيئة والشرّ؛ ونحن أبناء الرجاء والقيامة.
علينا اليوم أن نقف أمام ذواتنا وأمام ربنا ونقوم بفعل توبة صادق. جميعنا بحاجة إلى توبة صادقة، أساقفةً كنّا أم كهنة ومعلّمين، أم رهباناً وراهبات، أم آباء وأمهات، كي نعود ونلتقي ربنا يسوع المسيح فيطلقنا من جديد في رسالة محبةٍ شهادةً له، قائلاً لنا: لا تخافوا ! أنا معكم حتى انقضاء الدهر. لا تخاوفا أنا غلبتُ العالم».
في أبرشيتنا اليوم نحن في مسيرة مجمع أبرشي، يحمّل كلّ مؤمن ومؤمنة منّا مسؤولية الشهادة للمسيح في مجتمعه. مجمع أبرشي نلتقي فيه جميعنا بهدف واحد وهو التجدّد بعد قيامنا بفعل التوبة المطلوب. هذا التجدّد هو عمل كنسي يجعلنا نلتزم بقلب واحد وبرجاء كبير، وعلى كلّ المستويات، بالقيام بالتجدّد، كمطرانية وكهنة ورهبان وراهبات وعائلات ورعايا. فلنفتح قلبنا للرب لنتجدّد معه. هذا ما جعلني أدعو رعية آسيا إلى التجدّد. هذه الرعية الحبيبة إلى قلبي التي خدمتها كإكليريكي وككاهن جديد، وأسست فيها الأخويات ورافقتها، وكرست نفسي لخدمة الجميع؛ وما زلت أحمل أجمل الذكريات من العمل فيها. لهذا السبب أنا معكم دائماً.
ثم اتخذت شعاري لخدمتي الأسقفية: «أنا بينكم خادم المحبة»، لأتشبّه بالمسيح ابن الله الذي جاء ليَخدم لا ليُخدم، لأكون خادماً لجميع أبناء أبرشيتي، كباراً وصغاراً. أنا في خدمتكم، المطرانية في خدمتكم، وكلّ إمكانياتي في خدمتكم. إطمئنوا، هدفي هو خدمتكم، وخدمة كلّ رعايانا كأب سهران؛ فإني خادمكم في المحبّة.
وهذا التجدّد أيضاً دعاني إلى تعيين لجنة وقف جديدة تسهر مع كاهن الرعية على الرعية بشراً وحجراً. اجتمعت بهم وطلبت منهم وضع ذواتهم وإمكانياتهم في خدمة هذه الرعية بكل مكوّناتها وجمعياتها، وهي في خدمة الجميع. وقد اخترت من بينكم، ليقوموا بهذه الخدمة، ونعرف أنه يوجد الكثير غيرهم: مارون باسيل، كليم جبور، أنطونيو الحلو ونبيهه الخوري يوسف. ومنحتُهم كلّ ثقتي، كما أضع ثقتي بكل أبناء آسيا، ليعملوا معاً على إنماء هذه الرعية روحياً وإنسانياً وعلى خدمتها بقلب واحد، كما خدمت اللجان السابقة وضحت في خدمة هذه الرعية. واليوم هم بدورهم يتابعون الرسالة ويقدّمون ذواتهم للخدمة لكي نتجدّد جميعاً ونطلّ بوجه جديد بإسم يسوع المسيح ونكون شهودَ المسيح على أرض المسيح.
هذه أرض وقفٌ لله؛ لذلك نجد فيها الكثير من القدّيسين. لا تخافوا، حتى في الحروب، يظهر قدّيسون جدد. فأرضنا ستبقى وقفاً لله؛ لن نبيعها ولن نفرّط بها؛ فهي وكالة بين أيدينا؛ علينا أن نسلّمها إلى أجيالنا الطالعة. إطمئنوا نحن أقوياء بالمسيح ومعكم، وبشفاعة العذراء مريم ومار جرجس، سنبقى قلباً واحداً ينبض محبة ومصالحة وسلاماً. آمين.