عظة المطران منير خيرالله
في قداس ليلة عيد مار نهرا، سمارجبيل
الثلاثاء 21/7/2015
« تنبّه إذاً لئلاّ يكون النور الذي فيك ظلاماً» (لوقا 11/35).
أبونا إيلي (سعاده) خادم هذه الرعية الحبيبة
أحبائي جميعاً،
نلتقي معاً في ليلة عيد مار نوهرا، عيد النور، نوهرو بالسريانية يعني النور، لنحتفل بالنور الذي أُعطي لنا من الله. والنور بالنسبة إلينا نحن المسيحيين هو المسيح ابنُ الله الذي قال لنا: « أنا نور العالم»؛ « أنا هو الطريق والحق والحياة». ثم أضاف: « أنتم نور العالم»؛ ليسلّمنا رسالة حَمل النور في عالمنا المظلم.
في تعليم يسوع، في إنجيل لوقا الذي سمعناه الليلة، نفهم أن سراج الجسد هو العين. « فإذا كانت عينك سليمة كان جسدُك كله نيّراً.... ولكن تنبّه لئلاّ يكون النور الذي فيك ظلاماً». ( لوقا 11/34-35).
والنور الذي فينا هو نعمة من الله أعطيت لنا بيسوع المسيج؛ علينا أن نحمله ونضعه على المنارة ليضيء لجميع من هم في البيت. لأنه بدون نور كيف يهتدي أهل البيت إلى طريقهم وتحرّكاتهم ؟ فالمسيح ينبّهنا من أن يتحوّل النور الذي فينا إلى ظلام؛ والويل لنا إذا تحوّل إلى ظلام، فما يكون مصير العالم الذي نعيش فيه ؟ يكون مصيره الظلمة، أي الخطيئة؛ وإذا سار العالم في ظلمة الخطيئة يصبح الناس عمياناً، عميان البصر والبصيرة، لبُعدهم عن نور المسيح فنشهد ما نشهده اليوم من حقد وبغض وانتقام واقتتال وحروب.
وهذا ما نقرأه في محطات كثيرة من تاريخنا وتاريخ البشرية.
يحمّلنا المسيح مسؤولية كبرى بقوله لنا: أنتم نور العالم، وعليكم أن تحملوا النور للعالم. ومهما كان هذا النور صغيراً فهو ينير في الظلمة ويسمح للناس بأن يهتدوا إلى طريقهم ولا تصطدم أرجلهم بأي حاجز يعيق تقدّمهم. هكذا نشهد للنور الذي فينا ولا نسمح للظلام بأن يسيطر على عالمنا.
كل سنة أحتفل معكم بقداس العيد، تعود بي الذكرى إلى يوم رسامتي الكهنوتية منذ حوالى 38 سنة في هذه الكنيسة بالذات، يوم قلتُ إني حامل إسم مار نوهرا، وهذا بفضل والديّ اللذين حمّلاني هذا الإسم بوحي من الله ليكون مشروعاً لحياتي. ويومها قلت إني سأحاول أن أكون شمعة صغيرة تضيء في ظلمة العالم فيما هي تذوب؛ وهذه هي رسالتها.
هكذا كان المسيح بالنسبة إلينا: جاء نوراً يبذل ذاته في سبيل أن يضيء ظلامنا، ويرتضي أن يموت على الصليب حاملاً خطايانا في سبيل فدائنا وخلاصنا. ونفخ فينا روحه القدوس ليكون كل واحد منا بدوره نوراً يذوب محبةً وخدمةً وتضحية.
مار نوهرا شفيعنا هو شهيد الكنيسة الأولى التي كانت تعاني أقسى الاضطهادات في عهد الأمبراطور ديوكليسيانوس؛ استشهد هنا في سمارجبيل سنة 305 دفاعاً عن إيمانه بيسوع المسيح نور العالم.
يدعونا مار نوهرا اليوم في عيده إلى أن نتشبّه به ونثبت في إيماننا دون خوف مهما قست علينا الأيام. يدعونا إلى أن نحافظ على النور الذي زرعه المسيح في قلب كل واحد منا وإلى أن نذوب ونبذل ذاتنا في سبيل أن يظل نور المسيح يسطع على أرض المسيح؛ هذه الأرض التي اختارها الله لكي يتجسد فيها ابنُه إنساناً ويموت فيها فداءً عن البشرية كلها.
إنه فخر لنا، ولكنها مسؤولية جسيمة نحملها في ظلمة الحروب التي تنتشر في بلداننا في الشرق الأوسط وتدمّر الحجر والبشر.
لا تخافوا إذاً ! نحن أبناءُ كنيسة المسيح على هذه الأرض البترونية وورثةُ القديسين والشهداء الذين بذلوا ذواتهم في سبيل أن تبقى كنيستهم رسولة المحبة والمصالحة والسلام والحرية والكرامة.
لا تخافوا ! إن ما يمرّ علينا اليوم في وطننا وفي بلداننا في الشرق الأوسط ليس أقسى مما مرّ على أجدادنا وآبائنا في التاريخ؛ لكنهم ثبتوا في إيمانهم وفي شهادتهم على أرض المسيح؛ وذلك بفضل عائلاتنا التي ربّت على القيم المسيحية والإنسانية وأعطت قديسين وشهداء.
لا تخافوا ! فنحن، بالمسيح، أصبحنا أقوى من الخطيئة والشرّ، أقوى من الموت. ومن يموت باسم المسيح يصبح بذاراً لاستمرار الشهادة المسيحية على هذه الأرض.
نحن اليوم أقوى من أي يوم مضى، لأننا لا نزال موجودين ولأن حضورنا لا زال شاهداً للقيم التي نحملها من تعاليم السيد المسيح وكنيسته. نحن أقوياء بكنيستنا لأنها كنيسة المسيح وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.
نقدم قداسنا وصلواتنا اليوم على نيتنا جميعاً وعلى نية كل عائلة من عائلاتنا كي نبقى خميرة قداسة في هذا الشرق ونوراً يضيء في ظلام بلداننا، وعلى نية وطننا لبنان كي يبقى الوطن الرسالة في الحرية والكرامة والمحبة واحترام الإنسان في تعدّدية انتماءاته.
لا تخافوا ! نحن باقون ومستمرون في حمل رسالتنا. آمين.